ملا محمد مهدي النراقي
110
جامع السعادات
ليس مقصورا على مدركات البصر ، ولا على تناسب الخلقة ، إذ يقال : هذا صوت حسن ، وهذا طعم حسن ، وهذا ريح طيب ، وليس شئ من هذه الصفات مدركة بالبصر ، وكذا ليس الحسن والجمال مقصورا على مدركات الحواس لوجودهما في غيرها ، فإن أكثر خصال الخير يدرك بالعقل بنور البصيرة الباطنة ، إذ يقال : هذا خلق حسن ، وهذا علم حسن . وهذه سيرة حسنة ، ولا يدرك شئ من هذه الصفاة بالحواس ، بل يدرك بالبصيرة الباطنة ، وكل هذه الخصال المدركة حسنها بالعقل محبوبة بالطبع ، والموصوف بها أيضا محبوب عند من عرف صفاته . ومما يدل على تحقق الجمال المدرك بالعقل وكونه محبوبا : أن الطباع السليمة مجبولة على حب الأنبياء والأئمة - عليهم السلام - مع أنهم لم يشاهدوهم ، حتى أن الرجل قد تجاوز حبه لصاحبه مذهبه حد العشق ، فيحمله ذلك على أن ينفق جميع أمواله في نصرة مذهبه والذب عنه ، ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في أمامه أو متبوعه ، مع أنه لم يشاهد قط صورته ولم يسمع كلامه ، فما حمله على الحب هو استحسانه بصفاتها الباطنة : من الورع ، والتقوى ، والتوكل ، والرضا ، وغزارة العلم ، والإحاطة لمدارك الدين ، وانتهاضه لإفاضة علم الشرع ، ونشره هذه الخيرات في العالم ، وجملتها ترجع إلى العلم والقدرة ، إذ جميع الفضائل لا تخرج عن معرفة حقائق الأمور والقدرة على حمل نفسه عليها بقهر الشهوات ، وهما - أعني العلم والقدرة - غير مدركين بالحواس ، مع أنهما محبوبان بالطبع . ومن الشواهد على المطلوب : أن الناس لما وصفوا ( حاتما ) بالسخاء و ( أنوشيروان ) بالعدالة ، أحبتهما القلوب حبا ضروريا ، من دون نظرهم إلى صورهما المحسوسة ، ومن غير حظ ينالونه منهما ، بل كل من حكي عنه بعض خصال الخير وصفات الكمال غلب على القلوب حبه ، مع عدم مشاهدته ويأس المحبين من انتشار خيره وإحسانه إليهم ، ومن كانت بصيرته الباطنة أقوى من حواسه الظاهرة ، ونور العقل أغلب عليه من آثار الحواس الحيوانية ، كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة ، فشتان بين من يحب نقشا على الحائط لجمال صورته الظاهرة ، وبين من يحب سيد الرسل ( ص ) لجمال صورته